تقارير مرصد صوماليلاند | إثيوبيا أمام حرب جديدة: خصوم الأمس يتحالفون ضد آبي أحمد

 

 

 



تشهد إثيوبيا منذ سبتمبر 2026 تصعيداً عسكرياً وسياسياً خطيراً أعاد إلى الواجهة مخاوف عودة البلاد إلى حرب واسعة، بعد نحو أربع سنوات من اتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب تيغراي الدامية بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي.

لكن الصراع الحالي يختلف عن حرب 2020–2022؛ فالمواجهة لم تعد محصورة بين أديس أبابا وتيغراي، بل ظهرت خريطة تحالفات جديدة جمعت جماعات كانت حتى وقت قريب تقاتل بعضها بعضاً، تحت هدف مشترك هو مواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.

🔷 كيف بدأت الأزمة الجديدة؟

في 20 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات مسلحة وسياسية تشكيل «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، معلنة أن هدفها إسقاط حكومة آبي أحمد وإقامة نظام سياسي جديد.

اللافت أن التحالف يجمع قوى من تيغراي وأمهرة وأوروميا وعفر والإقليم الصومالي وبني شنقول-قمز، وبعض هذه القوى كانت على طرفي نقيض خلال حرب تيغراي السابقة.

🔷 الطرف الأول: الحكومة الفيدرالية

تقف في الطرف الأول حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، وتعتمد بصورة رئيسية على قوات الدفاع الوطني الإثيوبية ENDF، إلى جانب قوات أمن إقليمية وميليشيات محلية متحالفة معها في بعض الجبهات.

وتواجه الحكومة تحدياً كبيراً يتمثل في احتمال اضطرار الجيش إلى التعامل مع جبهات متزامنة في تيغراي وأمهرة وعفر، مع استمرار التوتر الأمني في أجزاء أخرى من البلاد. وتقول ACLED إن اتساع رقعة الجماعات المشاركة يجعل الوضع الحالي مختلفاً عن مجرد جولة جديدة من الصراع داخل تيغراي.

🔷 الطرف الثاني: تحالف الجماعات السبع

يضم التحالف الجديد:

1 ـ جبهة تحرير شعب تيغراي TPLF / قوات دفاع تيغراي TDF

تمثل القوة العسكرية والسياسية الأبرز في تيغراي، وهي التي خاضت الحرب الكبرى ضد الحكومة الفيدرالية بين عامي 2020 و2022.

وعادت قوات تيغراي إلى التحرك عسكرياً بقوة خلال سبتمبر، وسيطرت في 23 سبتمبر، وفق ACLED، على مطارات مقلي وأكسوم وشيري، بالتزامن مع اندلاع مواجهات على عدة محاور.

2 ـ حركة فانو الوطنية للأمهرة AFNM

وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات الحرب الجديدة.

قوات فانو قاتلت إلى جانب حكومة آبي أحمد وضد TPLF خلال حرب تيغراي، لكنها دخلت منذ 2023 في تمرد مسلح ضد الحكومة الفيدرالية.

واليوم أصبح جزء رئيسي من فانو وجبهة تيغراي ضمن التحالف نفسه ضد أديس أبابا، بل سجلت ACLED مواجهات شاركت فيها قوات من TDF وفانو ضد القوات الحكومية على محور كوبو–توموغا.

وهذا لا يعني انتهاء الخلافات بين الأمهرة والتيغراي؛ فما زالت هناك قضايا إقليمية وأراضٍ متنازع عليها يمكن أن تجعل التحالف بينهما هشاً.

3 ـ جيش تحرير أورومو OLA

وهو أحد أبرز التنظيمات المسلحة المعارضة للحكومة داخل إقليم أوروميا، أكبر أقاليم إثيوبيا من حيث عدد السكان.

انضم OLA إلى التحالف الجديد، لكن مجرد وجوده ضمنه لا يعني حتى الآن أن جميع الجماعات السبع تنفذ عمليات عسكرية مشتركة ومنسقة على الأرض.

4 ـ الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين ONLF

تمثل تياراً سياسياً من الإقليم الصومالي الإثيوبي، وانضمامها يضيف بعداً جغرافياً مهماً للتحالف، لأنه يمد خريطته نظرياً من شمال إثيوبيا إلى مناطق في شرق وجنوب شرق البلاد.

5 ـ الجبهة الديمقراطية الثورية للوحدة العفرية Ugugumo

تنشط في عفر، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة لأنها تقع بين المرتفعات الإثيوبية والحدود مع إريتريا وجيبوتي.

وقد شهدت الحدود بين تيغراي وعفر بالفعل اشتباكات خلال التصعيد الأخير.

6 ـ جبهة تحرير شعوب بني شنقول BPLF

تمثل مكوناً معارضاً من إقليم بني شنقول-قمز غرب إثيوبيا، وهو الإقليم الذي يقع فيه سد النهضة.

7 ـ الحركة الديمقراطية لشعب القمز GPDM

وهي أيضاً من القوى المرتبطة بمنطقة بني شنقول-قمز، وانضمامها يعزز محاولة التحالف تقديم نفسه كائتلاف يتجاوز تيغراي وأمهرة إلى مناطق إثيوبية متعددة.

🔷 أين تدور المعارك؟

المعارك الأكثر أهمية تتركز حالياً على عدة محاور في تيغراي وشمال أمهرة والحدود بين تيغراي وعفر.

وفي 23 سبتمبر سيطرت قوات TDF على مطارات مقلي وأكسوم وشيري، بينما اندلعت اشتباكات على محور كوبو–توموغا وعلى خطوط زاتا ودينقا وسيكوتا، إضافة إلى محور تونسا على حدود عفر.

وفي 24 و25 سبتمبر استمر القتال في واغ حمرا وشمال وولو، بما في ذلك مناطق غازغيبيلا وغيدان ولاستا ورايا كوبو، كما ظهرت جبهة أخرى قرب نهر تيكيزي في غرب تيغراي، وسُجل قتال جديد في عفر.

وهذا يعني أن المواجهة لم تعد نقطة اشتباك واحدة، وإنما شبكة جبهات تمتد عبر شمال إثيوبيا.

🔷 لماذا يعتبر تحالف تيغراي وفانو مهماً؟

لأن الطرفين كانا من ألد الأعداء قبل سنوات قليلة.

خلال حرب 2020–2022 قاتلت فانو إلى جانب الجيش الفيدرالي ضد TPLF، وشهدت المناطق المتنازع عليها بين أمهرة وتيغراي صراعاً شديداً.

أما الآن فقد جمعهما العداء للحكومة المركزية.

لكن هذا التحالف يبقى معرضاً للانقسام؛ إذ تشير التحليلات إلى اختلاف المصالح والأهداف والمطالب الإقليمية بين مكوناته، إضافة إلى المسافات الجغرافية الكبيرة وضعف بعض الجماعات المشاركة.

🔷 إريتريا.. العامل الخارجي الأكثر حساسية

الدور الإريتري هو أحد أكثر عناصر الأزمة حساسية.

حكومة آبي أحمد تتهم إريتريا بتقديم دعم مالي لجماعات التحالف الجديد. وقالت المتحدثة باسم رئيس الوزراء إن إعلان التحالف يؤكد ما كانت أديس أبابا تتحدث عنه سابقاً بشأن التعاون بين هذه الجماعات وأسمرة.

لكن هذه النقطة يجب التعامل معها بحذر: إريتريا تنفي الاتهامات الإثيوبية المشابهة، ولا توجد حتى الآن أدلة علنية مستقلة كافية تسمح باعتبار الدعم الإريتري للتحالف حقيقة مثبتة.

والمفارقة التاريخية كبيرة؛ ففي حرب تيغراي السابقة كانت القوات الإريترية تقاتل إلى جانب حكومة آبي أحمد وضد TPLF.

أما اليوم، فقد انهارت العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة إلى درجة أن الحكومة الإثيوبية أصبحت تتهم إريتريا بمساندة خصومها.

🔷 لماذا يهم البحر الأحمر في هذه الأزمة؟

الأزمة الإثيوبية لا يمكن فصلها بالكامل عن البيئة الأمنية المحيطة بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد على ممرات الدول المجاورة للوصول إلى البحر، بينما تقع إريتريا بموانئها، وعلى رأسها عصب ومصوع، مباشرة على البحر الأحمر.

وتزداد الحساسية الاستراتيجية لهذه المنطقة في ظل التصعيد المتزامن على الضفة الأخرى من البحر الأحمر؛ فقد حقق الحوثيون خلال سبتمبر مكاسب كبيرة على الساحل اليمني ووصل نفوذهم العسكري إلى مناطق وجزر قريبة من باب المندب، وهو المضيق الواقع بين اليمن من جهة وجيبوتي وإريتريا من الجهة الأفريقية.

لكن من المهم التفريق بين الأمرين: الأزمة الإثيوبية مرتبطة أساساً بصراع داخلي على السلطة والفيدرالية والأقاليم وتنفيذ اتفاق بريتوريا؛ أما التطورات في البحر الأحمر فتزيد أهميتها الجيوسياسية ومخاطر تحولها إلى أزمة إقليمية أوسع، ولا تثبت بحد ذاتها وجود علاقة عملياتية بين الحوثيين والأطراف الإثيوبية.

🔷 لماذا اندلعت المواجهة الآن؟

هناك عدة عوامل متداخلة.

أولها الخلاف بين الحكومة وTPLF حول تنفيذ اتفاق بريتوريا لعام 2022، إذ تتهم تيغراي الحكومة بعدم تنفيذ التزامات أساسية، بينما استعادت TPLF السيطرة السياسية على الإقليم في مايو بطريقة اعتبرتها الحكومة مخالفة للاتفاق.

ثانيها استمرار تمرد فانو في أمهرة منذ 2023.

وثالثها الصراع المزمن بين الحكومة وOLA في أوروميا.

أما العامل الرابع فهو اتهام العديد من الجماعات حكومة آبي أحمد بتركيز السلطة في المركز وتهميش الأقاليم، وهو اتهام ترفض الحكومة مضمونه وتقول إنها أطلقت حواراً وطنياً لمعالجة الانقسامات السياسية والصراعات الداخلية.

🔷 هل بدأت حرب أهلية إثيوبية شاملة؟

حتى الآن من المبكر وصف الوضع بأنه عودة كاملة إلى حرب 2020–2022.

ACLED قالت في 25 سبتمبر إن الوضع لم يصل بعد إلى مستوى الحرب السابقة، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن الأزمة لن تعود بسهولة إلى مستوى الصراع المنخفض بسبب كثرة المصالح والأطراف المتداخلة.

الخطر الحقيقي يكمن في انتقال القتال من الجبهات الحالية إلى انتفاضات متزامنة في عدة أقاليم.

إذا تحركت تيغراي وفانو وOLA وبقية مكونات التحالف عسكرياً في الوقت نفسه، فقد يجد الجيش الإثيوبي نفسه مضطراً إلى توزيع قواته على جبهات متباعدة، وهو السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في أديس أبابا.

🔴 الخلاصة

ما يحدث في إثيوبيا ليس مجرد عودة لحرب تيغراي.

إنها محاولة لتشكيل جبهة متعددة القوميات والمناطق ضد حكومة آبي أحمد، تضم خصوماً تاريخيين قرروا مؤقتاً تجاوز خلافاتهم لمواجهة الحكومة المركزية.

المشهد الحالي يمكن اختصاره كالتالي:

حكومة آبي أحمد + الجيش الإثيوبي وقوات أمن وحلفاء محليون

في مواجهة:

TPLF/TDF في تيغراي + فانو الأمهرة + OLA + ONLF + Ugugumo + BPLF + GPDM.

وخارج الحدود تقف إريتريا كعامل شديد الحساسية؛ تتهمها أديس أبابا بتمويل خصوم الحكومة، بينما تنفي أسمرة الاتهامات.

ولهذا فإن الخطر الأكبر ليس فقط من استمرار المعارك الحالية، وإنما من تحول التحالف السياسي والعسكري الجديد إلى تمرد متزامن متعدد الجبهات يمتد من شمال إثيوبيا إلى شرقها وغربها، بما قد يهدد استقرار الدولة ويضيف أزمة جديدة إلى المشهد الأمني المتوتر أصلاً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

المصادر: Reuters – ACLED
إعداد: إبراهيم محمد
مرصد صوماليلاند

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرياض تمسك بمفتاح تحويلات السودانيين: مشروع “الدفع الإلكتروني” بين التسهيل الإنساني والنفوذ المالي

اعتقال نحو 200 جندي صومالي بعد تدريبهم ضمن برنامج عسكري ممول سعوديا

تقرير استخباراتي مفتوح المصدر (OSINT) الموضوع: مبادرة/جمعية «إسناد» (SSAWI) وعلاقتها المزعومة بتمويل ودعم عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية