بقلم عبدالرحمن عمر: قراءة نقدية في قمة العلمين الرباعية (مصر، السودان، إريتريا، الصومال) بغياب إثيوبيا وجيبوتي، واختبار حظوظ نجاح الاتفاقية على وقع الحقائق الميدانية لكل دولة مشاركة.

 

في الوقت الذي اجتمع فيه رؤساء مصر والسودان وإريتريا والصومال في مدينة العلمين المصرية لتشكيل تكتل إقليمي يسعى لمواجهة النفوذ الإثيوبي المتصاعد، كانت الخارطة الاستراتيجية للقرن الإفريقي والبحر الأحمر تشهد تحولات جذرية لا يمكن التغاضي عنها. إن المحاولة الهادفة إلى عزل أديس أبابا تقف أمام حقائق جيوسياسية صلبة، في مقدمتها الدور الاستراتيجي الذي تلعبه صوماليلاند على الشريط الساحلي الممتد عبر خليج عدن والبحر الأحمر، إلى جانب الديناميكية الجديدة التي أحدثتها مذكرة التفاهم التاريخية بين إثيوبيا وصوماليلاند. وعليه، فإن تقييم فرص نجاح أو فشل اتفاقية العلمين يتطلب تشريح هذه العناصر وتأثيرها المباشر على واقع دول الإقليم.

دور صوماليلاند الاستراتيجي في أمن البحر الأحمر وخليج عدن

تتمتع صوماليلاند بموقع جغرافي فريد يمتد على طول الساحل الجنوبي لخليج عدن وبوابة باب المندب، مما يجعلها رقماً صعباً في معادلة الأمن البحري الدولي وتأمين سلاسل الإمداد العالمية. يبرز ميناء بربرا كمركز لوجستي وتجاري وعسكري بالغ الأهمية، تحول بفعل الاستثمارات والشراكات الدولية إلى واحد من أحدث وأهم الموانئ في المنطقة. هذا الموقع الحاكم والاهتمام الدولي المباشر بالبنية التحتية والممرات المائية الاستراتيجية في بربرا يمنحان صوماليلاند نفوذاً واستقراراً أمنياً يستحيل تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية تحاول مقديشو أو القوى الإقليمية فرضها من الخارج.

الدور الإقليمي لإثيوبيا ومذكرة التفاهم مع صوماليلاند: تغيير قواعد اللعبة

تستند القوة الإثيوبية إلى ثقل ديموغرافي واقتصادي وعسكري يمارس تأثيراً مباشراً على كافة دول القرن الإفريقي. وقد شكلت مذكرة التفاهم الموقعة بين إثيوبيا وصوماليلاند محطة فارقة في إعادة تشكيل التحالفات، حيث تسعى أديس أبابا من خلالها إلى تأمين منفذ بحري واستئجار قاعدة بحرية على البحر الأحمر في مقابل الاعتراف وصناعة شراكة استراتيجية واقتصادية طويلة الأمد مع هرجيسا. إن هذه الخطوة البراغماتية لم تكسر الحصار الجغرافي التاريخي لإثيوبيا فحسب، بل أوجدت واقعاً جيوسياسياً جديداً يمنح الطرفين (إثيوبيا وصوماليلاند) أوراق ضغط هائلة أمام المحور الرباعي المشكل في العلمين.

تحليل فرص نجاح أو فشل اتفاقية قمة العلمين بناءً على واقع المشاركين

عند إسقاط هذه المعطيات على الواقع العملي والدول المشاركة في قمة العلمين، تظهر عوائق حقيقية تهدد بفشل الاتفاقية وتحويلها إلى مجرد مجاملات خطابية:

1. الصومال (مقديشو): تُعد الطرف الأكثر تضرراً من مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وصوماليلاند، لكنها تظل الطرف الأضعف في المعادلة. تعاني مقديشو من هشاشة أمنية وتواجد عسكري إثيوبي واسع على أراضيها لمكافحة الإرهاب، وبالتالي فإن افتقارها للسند الاستراتيجي والقدرة الميدانية يجعلها عاجزة عن تعطيل الشراكة بين هرجيسا وأديس أبابا.

2. مصر: تسعى لاستغلال الرفض الصومالي لمذكرة التفاهم من أجل بناء موطئ قدم أمني بالقرب من إثيوبيا والضغط في ملف سد النهضة. لكن المسافة الجغرافية والتكلفة اللوجستية المرتفعة تجعلان قدرة القاهرة على منافسة النفوذ المباشر لإثيوبيا وصوماليلاند على الساحل أمراً محاطاً بالتعقيدات.

3. إريتريا: تتحرك بدفع من رغبة رئيسها أسياس أفورقي في تحجيم صوماليلاند وإثيوبيا معاً لمنع قيام أي قوة بحرية أو تجارية منافسة لموانئها. ومع ذلك، فإن العزلة الدولية والتحديات الاقتصادية لأسمرة تحد من قدرتها على تقديم بديل تجاري أو أمني مستدام.

4. السودان: يستمر في الانشغال بأزمته الداخلية وصراعه المسلح، مما يجعله غير قادر على تقديم أي مساهمة فعلية في حماية أو تنفيذ بنود قمة العلمين في القرن الإفريقي.

اختبار النجاح والفشل: هل تصمد اتفاقية العلمين أمام اختبار الواقع؟

​بالنظر إلى الحقائق الميدانية والجيوسياسية لكل دولة مشاركة، يتضح أن "إعلان العلمين" يواجه تحديات هائلة تكاد تقترب به من دائرة التعثر أو الفشل العملياتي، للأسباب الآتية:

​الافتقار إلى القوة الذاتية المتماسكة: معظم الدول المشاركة (السودان والصومال) تعاني من أزمات وجودية داخلية تعيقها عن لعب دور هجومي أو حتى دفاعي متكامل خارج حدودها.

​فارق الجغرافيا والنفوذ: تملك إثيوبيا أوراق ضغط ميدانية وأمنية ودبلوماسية واسعة على الأرض لا تستطيع التحالفات الخطابية مجاراتها بسهولة.

​هشاشة الالتزامات المشتركة: تاريخ تكتلات القرن الإفريقي يثبت غالباً طغيان المصالح القطرية الضيقة على التضامن الجماعي متى ما اشتدت الضغوط.

الخلاصة

إن التجاهل السياسي لواقع صوماليلاند وموقعها الحاكم على البحر الأحمر، إلى جانب إغفال قوة النفوذ الإثيوبي والمكتسبات الناتجة عن مذكرة التفاهم، يمثل الثغرة الكبرى في اتفاقية العلمين. وبناءً على المعطيات الميدانية والواقع الجيوسياسي، فإن الاتفاقية الرباعية تبدو أقرب إلى محاولة احتواء متأخرة تفتقر إلى أدوات التنفيذ الميداني، مما يرجح كفة فشلها في تغيير موازين القوى الجديدة التي فرضتها هرجيسا وأديس أبابا في المنطقة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرياض تمسك بمفتاح تحويلات السودانيين: مشروع “الدفع الإلكتروني” بين التسهيل الإنساني والنفوذ المالي

اعتقال نحو 200 جندي صومالي بعد تدريبهم ضمن برنامج عسكري ممول سعوديا

تقرير استخباراتي مفتوح المصدر (OSINT) الموضوع: مبادرة/جمعية «إسناد» (SSAWI) وعلاقتها المزعومة بتمويل ودعم عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية