مميزة

الرياض تمسك بمفتاح تحويلات السودانيين: مشروع “الدفع الإلكتروني” بين التسهيل الإنساني والنفوذ المالي


 جدة — في فعالية دبلوماسية بدت للوهلة الأولى روتينية، أعلن وزير الدولة بوزارة المالية السودانية محمد نور عبد الدائم، خلال وضع حجر الأساس لتطوير مقر القنصلية السودانية في جدة، عن مشروع سعودي-سوداني مشترك لإنشاء منظومة دفع إلكتروني مرتبطة بتطبيقات البنوك السعودية، هدفها المعلن تسهيل تحويلات الجالية السودانية الكبيرة في المملكة إلى ذويهم داخل السودان.

لكن خلف العنوان الإنساني للمشروع، يكشف توقيته ومكانه وظروفه عن أبعاد أعمق تتجاوز “تسهيل حياة المغتربين”، لتلامس سؤالاً أكثر حساسية: من يملك فعلياً مفاتيح أكبر شريان مالي متبقٍ لدولة ممزقة بالحرب؟

توقيت لا يمكن قراءته بمعزل عن الحرب

المشروع لا يُعلن في فراغ. السودان يخوض منذ أبريل 2023 حرباً داخلية أنهكت مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجهاز المصرفي الذي يعاني من شبه شلل في مناطق واسعة من البلاد. في هذا السياق، تتحول تحويلات ملايين السودانيين العاملين في السعودية — وهي من أكبر الجاليات المغتربة السودانية في الخارج — إلى شريان حياة اقتصادي يفوق أهمية أي دعم مؤسسي رسمي متاح حالياً.

طرح مشروع بهذا الحجم في هذه اللحظة تحديداً، وليس قبل الحرب حين كانت الدولة السودانية أكثر تماسكاً، يفتح الباب لقراءتين متوازيتين لا تتعارضان بالضرورة: الأولى إنسانية بحتة — استجابة لحاجة ملحّة لجالية متضررة؛ والثانية استراتيجية — تثبيت موطئ قدم مالي سعودي في مرحلة ما بعد الحرب، حين تعاد صياغة موازين النفوذ داخل السودان.

جدة لا الخرطوم: من يتحدث باسم من؟

من اللافت أن الإعلان جاء من جدة، في فعالية قنصلية، لا من الخرطوم أو بورتسودان حيث تتمركز مؤسسات الدولة السودانية المعترف بها. هذا الاختيار ليس تفصيلاً شكلياً في العمل الدبلوماسي؛ فالمكان الذي يُعلن منه مشروع مالي بهذا الحجم غالباً ما يعكس الطرف الذي يملك زمام المبادرة الفعلي في صياغته وتوقيته.

كما يلاحظ غياب أي إشارة معلنة لدور موازٍ للبنك المركزي السوداني، وهو المؤسسة التي يُفترض أن تكون الشريك السيادي الطبيعي في أي منظومة دفع تمس تدفقات العملة الصعبة للبلاد. اقتصار الإعلان على وزارة واحدة يطرح سؤالاً حول مستوى التنسيق المؤسسي الكامل خلف المشروع.

الحوالة الموازية: من يخسر إذا رُسمنت التحويلات؟

لعقود، اعتمد جزء كبير من تحويلات المغتربين السودانيين على شبكات الصرافة والحوالة غير الرسمية، التي ازدهرت أكثر مع انهيار الجهاز المصرفي الرسمي أثناء الحرب. أي منظومة دفع رسمية ناجحة ستصطدم حتماً بهذا الاقتصاد الموازي الضخم، الذي له مصالحه ولاعبوه المحليون في الطرفين.

نجاح المشروع الرسمي يعني عملياً تحويل مسار أموال بمليارات الدولارات سنوياً من قنوات غير خاضعة للرقابة إلى قناة تخضع لموافقة ورقابة مصرفية سعودية-سودانية مشتركة — وهو ما يفسر جزئياً لماذا لم تُطرح مبادرات مشابهة بنفس الزخم في سنوات الاستقرار النسبي قبل الحرب.

سؤال السيادة الذي لا يُطرح علناً

الخطاب الرسمي يتحدث عن “تسهيل” و”تسريع” التحويلات، لكنه لا يتطرق بوضوح إلى من سيملك حق الوصول إلى بيانات هذه التحويلات، أو من سيملك صلاحية تجميدها أو تقييدها في حال نشوء خلاف سياسي مستقبلي بين الرياض وأي حكومة سودانية قادمة.

هذا التمييز جوهري: فرق كبير بين “تسهيل تحويل الأموال” و”ربط تحويل الأموال بموافقة مصرفية خارجية”. الحكومة السودانية الحالية — حكومة بورتسودان المعترف بها دولياً لكنها لا تسيطر على كامل الأراضي السودانية — تدخل هذا الاتفاق من موقع تفاوضي أضعف من المعتاد، وهو ما يجعل مسألة حجم التنازلات غير المعلنة في بنود الاتفاق سؤالاً مشروعاً.

بُعد إقليمي لا يمكن تجاهله

لا يمكن قراءة هذا المشروع بمعزل عن التنافس الخليجي الأوسع على النفوذ داخل الملف السوداني، حيث كان لأطراف خليجية أخرى، وعلى رأسها الإمارات، حضور مالي وسياسي معلن في السودان طوال سنوات الحرب. تحرك سعودي بهذا الحجم في الملف المالي السوداني يُقرأ، سواء قصد ذلك أصحابه أم لا، كخطوة موازية لتثبيت موقع الرياض في معادلة النفوذ، لا كمبادرة معزولة عن السياق الإقليمي الأوسع.

كما يقدم هذا النموذج — دولة خليجية تنظم رسمياً تحويلات جالية مغتربة كبيرة لديها — سابقة تستحق المراقبة من قِبل جهات أخرى في المنطقة تعتمد اقتصادياً على تحويلات مغتربيها، وتبحث عن أطر شراكة مالية رسمية مع دول الخليج كأداة لتعزيز مكانتها الاقتصادية والسياسية.

ما بعد المشروع: من يملك الكلمة الأخيرة؟

السؤال الذي يبقى معلقاً بلا إجابة رسمية واضحة هو: ماذا يحدث لهذه المنظومة إذا تغيرت موازين القوى داخل السودان، أو إذا نشأ خلاف سياسي بين الرياض وحكومة سودانية مستقبلية؟ هل يستمر المشروع كخدمة مصرفية محايدة، أم يتحول إلى أداة ضغط اقتصادي على من يمسك بالسلطة في الخرطوم؟

بين “التسهيل الإنساني” و”أداة النفوذ المالي” مسافة رمادية واسعة، ومشروع الدفع الإلكتروني السعودي-السوداني يقف بالضبط في منتصفها — نجاحه سيُقاس ليس فقط بعدد التحويلات التي يسهّلها، بل بمن يملك عملياً، عند أول أزمة سياسية، القدرة على فتح هذا الصنبور أو إغلاقه.

تعليقات

المشاركات الشائعة